الأحد، 24 يناير 2010

جــــــــــــــــــــــــــــروبــــــــــــــــــــي



حول طاولاته جلست أم كلثوم وفاتن حمامة وعمر الشريف
جروبي.. أكبر من مجرد مقهى
«قطعة جاتوه يتناثر سكرها في كتاب اسمه التاريخ». هذه العبارة يمكن أن تلخص، أو على الأقل تعطي صورة حية عن «جروبي» أشهر محلات الحلوى والآيس كريم في مصر. الآلاف من الشباب في مصر الآن لا يرى في جروبي أكثر من مقهى عتيق وسط البلد، يقدم الشاي والجاتوه في أجواء كلاسيكية مملة، وكأنه مشهد معاد من فيلم أبيض وأسود قديم، أيام عبد الوهاب وراقية إبراهيم التي كانت (تأكل الجلاس وتدوب في قلوب الناس).
والحقيقة أن جروبي أكبر بكثير من مجرد مقهى شهير بالقاهرة، أو ماركة مسجلة في صناعة الحلوى والجلاس، إنه تاريخ طويل للفن والفكر والعمل السياسي، وقصة رائعة بطعم الشوكولاته، وذكريات جميلة لأيام تلاشت.. وكأنها الآيس كريم! لكن من أدخل الآيس كريم لمصر ومنطقة الشرق الأوسط؟

جروبي هو الإجابة، والبداية وكلمة السر.. صانع الحلويات السويسري جياكوم جروبي، هو أول من أدخل الآيس كريم لمصر، حين جاء إلى القاهرة عام 1889، وأسس بها 4 محلات، أولها في شارع عدلي، وأشهرها فرع طلعت حرب، الذي يشغل حتى اليوم موقعه المميز بميدان سليمان باشا في مبنى فخم ضخم من طراز الباروك، ويعتبر من كنوز مصر المعمارية في عصرها الحديث. أحمد يسرى مدير جروبي الحالي، يقول إن لفرع سليمان باشا بالذات مدخلا جانبيا خاصا لا يعرفه أحد، وكان مخصصا في الماضي لدخول الباشاوات والوزراء وكبار الشخصيات من المصريين والأجانب، الذين كانوا يترددون على جروبي في فترة الأربعينات والخمسينات، ويتناولون فيه غداءهم، أما عن مدخل المحل المكسو بالفسيفساء الملونة والرسوم المبهجة، فلا يخلو هو الآخر من ذكرى وحكاية، مفتاحها كلمة (قفير النحل) التي تجدها مكتوبة بخط واضح تحت قدميك وأنت تخطو خطواتك الأولى بالمكان، البعض يظن أنها تميمة تجلب الحظ السعيد لعتبة المحل وزبائنه، لكن يسرى مدير جروبي، يقول إن الكلمة بمعنى خلية النحل، وكان ذلك رمزا للحركة الزائدة في المكان، ليس فقط بسبب الزبائن والضيوف، ولكن لوجود بدروم للمحل فيه مئات العمال والطباخون في حالة عمل وتدريب لا تكاد تتوقف، من كثرة البيع والطلب على الحفلات والولائم.

أمين سعيد، رجل عجوز، ملامحه وشعره الأبيض كالثلج ينبئ بأنه بلغ الستين عاما أو يزيد، منها أربعون عاما، قضاها متصلة في جروبي، يبيع الشوكولاته والفونضام والمارون جلاسيه، الذي لا يعرف قدره أو طعمه غير زبائن جروبي (الهاي) على حد تعبير عم أمين، وقد أكمل مبتسما: «الست أم كلثوم كانت تأتى وتتناول (افطارها) هنا في جروبي، وتشتري منى الجبنة والشوكولاته، والست فاتن حمامة أيضا من زبائن المحل القدامى، والسيدة جيهان السادات كانت تأتى لجروبي عدلي وتشترى الشوكولاته بنفسها، وأولاد السادات كلهم كانوا حتى وقت قريب يأتون، ويشترون مني الجاتوه».

ثم يتابع بوجه بشوش: «مرتبى بدأ بربع جنيه والآن صار حوالي 400 جنيه، ليس كثيرا لكن، الحمد لله زي الفل، البقشيش كان زمان قرش صاغ دلوقت فيه زبون بيدفع بقشيش جنيه وفيه بيدفع 20 جنيها، أنا قضيت عمري كله في جروبي ولا أفكر أبدا في أن أتركه، أو أذهب لمكان آخر». الذكريات مثل عم أمين، لا تفكر أبدا في أن تترك جروبي وتذهب لمكان آخر، هنا كانت تجلس أسمهان، وعلى هذه المائدة كان يجلس كامل الشناوي، يقرأ جرائد الصباح ويكتب الشعر ويشرب عصيره المفضل. الفنان أحمد رمزي كان يتردد على جروبي بصفة شبه يومية مع أصدقائه، وفي مرة كان مع احد زملائه في الدراسة وشاركهما اللقاء مخرج شاب اسمه يوسف شاهين، فحدثت الصدفة التي قدمت للسينما العربية والعالمية نجم شهير هو عمر الشريف (زميل رمزي منذ الدراسة الثانوية) الذي اكتشفه شاهين وأعطاه بطولة مطلقة في أول أفلامه «صراع في الوادي».

حتى عيزرا وايزمان – الذي صار فيما بعد رئيسا لإسرائيل ـ كان يتناول إفطاره يوميا في جروبي طوال فترة وجوده في مصر كجندي يهودي بالجيش الانجليزي! وفي كتابه «الإخوان والعنف» يذكر الكاتب عامر شامخ، ما يفيد بأن جروبي كان ملتقى الصفوة ونجوم المجتمع، بالإضافة لكونه المقهى المفضل لأبناء الطبقة الراقية من المصريين والأجانب المقيمين بالقاهرة، لذا خطط الإخوان المسلمون لنسفه مع الجامعة والسكة الحديد، في عملية تخريبية، تم إحباطها في أكتوبر (تشرين الاول) 1954. وعلى قدر أهمية جروبي وزبائنه، يدلنا حادث آخر خطير، تكشفت تفاصيله عام 1960 ـ عهد عبد الناصر ـ حين سقطت شبكة جواسيس تعمل لصلح الموساد الإسرائيلي، وهو ما عرف وقتها بعملية سمير الإسكندراني، الذي أوقع بعشرة جواسيس من العيار الثقيل، كان أحدهم جورج استاماتيو أحد عمال جروبي! وهكذا يبدو جليا أن جروبي لم يكن مجرد مقهى بقدر ما هو رمز عميق الدلالة والتأثير في الحياة المصرية، ومشروع ثقافي شديد الوجاهة، له تقاليد أرستقراطية نبيلة، عكست صورة النهضة في تلك الفترة من تاريخ مصر. في حديقته الخلفية الواسعة أقيمت الحفلات الراقصة والعروض السينمائية الجديدة، وفيه ظهرت فرق الموسيقى الأوروبية، وعلى يده عرفت مصر أنواعا جديدة من العصائر والمربى والجبن والحلوى والكريم شانتيه، وأجود أنواع الشوكولاته والمارون جلاسيه، لدرجة أن بنات الملك شارل ملك انجلترا، أعجبن غاية الإعجاب بمذاق الشوكولاته التي أكلنها في قصر الملك فاروق، ولم تكن في بلادهم شوكولاته تماثلها على ما يبدو، فأرسل فاروق إليهن هدية، بعد عودتهن إلى لندن، عبارة عن 100 كيلو شوكولاته من صنع جروبي! يسأل الناس الآن ما الذي حدث لجروبي؟ صفحات الجرائد التي لا تذكر اسم جروبي إلا ومعه خبر عن مظاهرة أو وقفة احتجاج أو نداء لمقاطعته، ومحلات الأميركيين معه، سخطا على صاحبه عبد العظيم لقمة أحد قيادات الإخوان الذي اشترى المحلات من أحفاد جروبي، ويتهمه الرأي العام المصري بتخريب جروبي والقضاء متعمدا على دوره التنويري المتحضر، بينما يتهمه المتظاهرون والمقاطعون باستغلال العمال في مصانعه، وتعريضهم للأمراض الخبيثة والموت، من دون تأمين أو حماية، خاصة العاملين منهم في إنتاج الأسقف المعدنية (الأسبستوس) بالغة الضرر للصحة والبيئة.

ويذكر الأستاذ صلاح علي، مدير سابق لمحلات جروبي، انه بعد موت عبد العظيم لقمة، أعلن أولاده أكثر من مرة عن رغبتهم في إصلاح وتطوير المحلات، وإعادة جروبي لما كان عليه من بريق ورونق يليق بمكانته التاريخية واسمه المعروف، لكنها كانت دائما محاولات فاشلة لا تتسم بالجدية.

رغم ذلك تقول هبة سعد الدين – المذيعة اللامعة بإذاعة الشرق الأوسط، إنها لا تزال تحب جروبي وتتردد عليه، لأنه يذكرها بطفولتها أيام كانت تأتى مع والديها لتتناول الآيس كريم والحلوى. ويعلق د. نبيل السيد، 53 سنة، أنه كان في شبابه المبكر، يدخر من دخله المحدود ويأتي خصيصا لتناول القهوة أو الكاكاو في جروبي بالذات، ليشعر بالفخر يكافئ نفسه، ويتفاءل بانه سيكون في المستقبل رجلا مهما من النخبة والأثرياء، مثلما الزبائن الذين كان يراهم في جروبي حينها.

لكن المفارقة انه حين صار فعلا من الأغنياء والمشاهير في مجاله، لم يعد جروبي يعنى له اي شيء وسقط من ذاكرته أساسا. ما بقي من جروبي شيء واحد لم تغيره الأيام والسنوات الطويلة، وهو مطبخ جروبي. مطبخ واسع رخامي أبيض، فيه ثلاجة ضخمة وكأنها حجرة صغيرة مستقلة، تحفظ ألبان المهلبية وتورتات الآيس كريم، وحلوى الكراميل العسلية، والقشدة اللباني عالية التركيز، والمكسرات والفواكه المسكرة، وأبو فروة المستورد المغموس في الشربات، المعروف باسم المارون جلاسيه، الكيلو منه بـ 650 جنيها. الشيف محمود زكى تحدث وهو منهمك في عمله بالبسترة، مؤكدا أن آيس كريم جروبي لم يزل بلا منافس، فهم الوحيدون الذين يعتمدون حتى اليوم على اللبن الـ7 بنط (عالي الدسم) والطهاة في جروبي تحديدا ذوو رصيد لا يستهان به من المهارة وسنوات الخبرة، خاصة في إعداد الديك الرومي واللحوم والمحاشى والحلويات، وهو السبب الرئيسي الذي يجعل معظم وزراء مصر وبعض كبار المسؤولين ومشاهير الفنانين لا يرتضون بديلا عن جروبي حتى الآن، عندما يقيمون الولائم أو الحفلات، خاصة في شهر رمضان الذي يكون فيه الحجز مقدما، ويعمل المطبخ خلاله ورديات تتجاوز أحيانا 12 ساعة يوميا. بقي من جروبي أيضا مشاهد لا تنسى، على شريط السينما، وأفلام شهيرة مثل «إشاعة حب» لعمر الشريف وسعاد حسنى، أو «أين عمري» لماجدة الصباحي، أو «حلاق السيدات» لعبد السلام النابلسي.. وغيرها من الأفلام التي لا تخلو من حوار يقول فيه البطل: (هاستناكي في جروبي الساعة خامسة.. أوعى ما تجيش)، أو تقول فيه سيدة القصر بكل زهو: تفضلوا .. تفضلوا .. البوفيه كله من جروبي!

المصدر:الشرق الاوسط

ليست هناك تعليقات:


المتابعون

Powered By Blogger